فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ

فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ

"معركتي الأولى بدأت منذ ولادتي ...بعض من أفراد عائلتي إعتبروني غربيا فسجلتهم في قائمة القاسية قلوبهم"

بهذه الكلمات إختصر نزار (23 عاما ) بصوت عميق و نبرة حزينة مسيرة طفولة ومراهقة مُلخصا معاناةَ فئة من هذا المجتمع .

على شاطئ بلدته الصغيرة الموجود في أطراف أكثر المدن تلوثا في البلاد جلس نزار على صخرة متآكلة ماسكا غصنا قديما وراح يغرسه في رمال الشاطئ , ومع هبوب رياح مفاجئة انتزع نظارته الشمسية وقام بتنظيفها ثم سرعان ما أعاد ارتداءها في حركة تلازمه طول اليوم .

ينص الدستور التونسي في فصله ال48 صراحة على وجوب أن تحمي الدولة الأشخاص ذوي الاعاقة من كل تمييز  ولكل مواطن ذي إعاقة الحق في الانتفاع حسب طبيعة إعاقته بكل التدابير التي تضمن له الاندماج الكامل في المجتمع .و الدولة مطالبة باتخاذ جميع الاجراءات الضرورية لتحقيق ذلك .

مسح نزار شعره المجعد الفاحم كقطع الظلام و بعض قطرات عرق تسللت على وجهه القمحي الذي صبغته شمس بلدته الحارة بسُمرة واضحة واستطرد قائلا : بين فصول القوانين الدولية والوطنية الجامدة و الواقع مسافة كبيرة لا يعلمها الا من عاش المعاناة واقعا .لا يكفي التنصيص القانوني لحماية فئتنا المهمشة إذ أرى ضرورة إصلاح نظرة المجتمع لذوي الاحتياجات الخصوصية فالمشاكل ترافقنا منذ دخولنا لمدارس المكفوفين لترتفع وتيرتها في  المعاهد ما يجعل الإنقطاع عن التعليم قبل نيل شهادة الباكالوريا أمرا مألوفا .

في شهر فيفري من سنة 2020 ضجت الصحف التونسية ومواقع التواصل الاجتماعي بما سميت آنذاك بفضيحة مدير معهد الكفيف ببن عروس أين طالب نشطاء وحقوقيون بفتح تحقيق بشأن وجود مشاكل جذرية بالمعهد المذكور .يذكر أن عددا من نواب الشعب سبق و أن اتهموا اثر زيارة فجئية للمعهد بعض القائمين عليه بالتحرش الجنسي ببعض الكفيفات اضافة للمعاملة القاسية  والخدمات المتردية.

يطلق نزار تنهيدة حارة مضيفا : هذا جزء صغير من مشاكل أكبر يعانيها الكفيف في  جل معاهد البلاد ,و قضية التحرش هي واحدة من القضايا وماخفي كان أعظم ,غربة عن الأهل وغربة عن المجتمع وظلمة في نور  العين و تمييز نستشعر وجوده مع كلُ تصادم لنا بالشارع.

ينص الفصل 30 من الدستور التونسي على أن الدولة تضمن "الحق في التعليم العمومي المجاني بكامل مراحله وتسعى الى توفير الامكانيات الضرورية لتحقيق جودة التربية و التعليم و التكوين"

يعلق نزار بابتسامة ساخرة بأن كتاب مادة الفلسفة مثلا و المرقون بلغة براي كان غير متوفر  بما أن إمكانيات المعاهد محدودة  و الدعم الوزاري شحيح خصوصا في فترة  مابعد الثورة وهذا ما يشكل إنتهاكا لحقوق المكفوفين في متابعة برنامجهم الدراسي خصوصا في السنوات النهائية  والحاسمة . مايجعلهم ينقطعون عن التعليم و حتى الفئة القليلة التي تحارب من أجل نيل شهادة الباكالوريا تنجح بمعدل ضعيف لا يجعلهم يحققون التوجه الجامعي المنشود...

ووفق موقع نواة فان تلاميذ الباكالوريا الذين يعانون من إعاقة بصرية لا يملكون الحق في إختيار شعبة باستثناء شعبة الآداب رغم أن عددا كبيرا من التلاميذ المكفوفين يتميزون في مواد علمية مثل الرياضيات أو الفيزياء أو علوم الأحياء ماجعل نزار كغيره من زملاءه يمرون مباشرة لشعبة الآداب و هنا أردف ضاحكا أنه من حسن حظه أن ميله للمواد الأدبية كان واضحا ....

ويضيف نزار وهو يشد على الغصن ويواصل غرسه في الرمال والابتسامة لا تفارقه أن المذياع كان رفيقه و رفيق كل المكفوفين في ظلمة الليالي في المبيت ,كان وسيلتهم الأسهل لتلقي المعلومة عبر حاسة السمع و التي كانت الحاسة الأقوى لتلك الفئة .

تزداد إبتسامته ويرفع رأسه للأعلى وكأنه يتخيل المشهَدَ قائلا : كنت متابعا شَرهًا لنشرات الأخبار  أقتنصها كأسد يتابع فريسته ولا أمَلُ من تكراراها ...كنت أحفظ أوقات البرامج الإذاعية عن ظهر قلب و أعرف إسم كل  مذيع من نبرة صوته ...كان عالما نقيا رائعا بلا تمييز و لا إحساس بالغربة ...كان عالمي المفضل و كنت أتوه فيه كلَ ليلة حتى يتسلل النوم لجفوني لأنتقل إلى عالم الأحلام الرائع بكل مكوناته   .... الحلم كان مهربا من  قيود الواقع.

ومن هنا بدأ عشقي للعمل الاذاعي وبدأت في النشاط صلب الإذاعة الداخلية في المعهد ...هنا وجدتني أتواصل بشكل أكبر مع المحيطين بي ...و أحسست ولأول مرة و أنا أمام المصدح بثقة وفخر كبيرين ....أعدت إكتشاف صوتي مرة أخرى و كنت حريصا على تطويره  وتشكيله بشكل واضح....

وبحركة مفاجئة قام نزار برمي الغصن لأبعد مدى و إستطرد كلماته و قد ازدادت إبتسامته إتساعا بأن أكبر فرحة في حياته كانت حين تجاوز عقبة شهادة الباكالوريا ...لقد نجح في تحقيق تحدي اثبات الذات ..."إنتصرت على كل المُعيقات ....لقد إنتصرت على الجميع في معركة لازمتني طويلا  كسبت التحدي" قالها وران صمت طويل  ....

كان فخرُ عائلة نزار كبيرا بإبنهم ... لقد تحقق نجاحهم بالاحاطة به عبر نجاحه...كسبوا رهان متابعته وحق القول أنهم نجحوا في مهمتهم الصعبة وبتفوق  ...بنجاح نزار إزداد ترابط العائلة ...همس بابتسامة بأنه فخور أن علاقته بوالده ووالدته كانت وستبقى ميثالية ... إذ يَعتبرهُم النور الذي يمسح عتمة الواقع ....

تغيرت ملامح وجهه فجأة و إلتفت يمنة ويسرة وكأنه يبحث عن الغصن الذي رماه منذ قليل ثم سرعان ما صار يحفر الرمال بساقه بحركة إنفعالية ... لقد فشل في التوجه لدراسة الصحافة في الجامعة وتحقيق حلمه بحكم أن معدل نجاحه كان دون ما تطلبه جامعة الصحافة و علوم الاخبار  ....كانت هذه الصدمة أشد عليه من أي صدمة أخرى ...أحس أن تعبه ضاع و أن حلمه إختفى وإبتعد ....ودخل في دوامة الخوف من المستقبل .....

ماذا بعد؟ سؤال رافقه وهو في الحافلة التي تقله من العاصمة في اتجاه بلدته الصغيرة ذات صيف حار ...ومع وصوله لمنزل الأسرة تساءل في أعماقه عن تقييمه لعودته بين نجاح في نيل الشهادة وفشل في مواصلة دراسة الميدان الذي يعشقه حتى الجنون ....

نسي هذا الجدال الباطني حين فتح أبوه الباب و احتظنه....

مرت سنة كاملة عاش فيها نزار البطالة ....أمسك برقبته معبرا : كان شعورا صعبا كنت أختنق يوما بعد يوم ...ولكن في الآن ذاته كان عقلي الباطن يقاوم بعنف وشراسة ....

ومن رحم المعاناة يولد الصمود ...إقتنى هاتفا جوالا ذكي و بدأ في مرحلة التواصل عبر الشبكة العنكبوتية ....كان عالما رائعا جديد بالنسبة اليه ...وهنا اكتشف إعلانا لمدرسة عليسة بولاية قابس والتي تقدم دورات تدريبية تهُم ميدان التنشيط

الإذاعي وتدوم لسنة واحدة...

يضيف نزار و الابتسامة لا تفارقه : وجدتني أندفع لتحقيق حلمي بدون تفكير وبشجاعة أكثر ...هذه الدورة التدريبية كانت أملي الأخير......

قام نزار بالتسجيل في مدرسة عليسة بقابس أين بدأ بتلقي دورة تدريبية مكثفة في آليات التنشيط الإذاعي و التلفزي ...لم يجد صعوبة في تقبل المعلومات بحكم عشقه لهذا الميدان ....

وصفه أستاذه المقرب بأنه كان شابا نقي القلب هادئ الطباع يبذل أقصى جهده في العمل عن طيب خاطر ولا يشكو ولا يتكاسل و لايحتال أو يأخذ لنفسه ماليس له ...لذلك كان من نخبة الدورة التدريبية و الذين تم إختيارهم للعمل في إذاعة عليسة المحلية والتي تبث على شبكة الانترنت ...وهنا كان النصر الثاني له في حياته اذ حقق الحلم المنشود و ازداد الفخر أكثر....

قطع حديثه بحذر حين لاحظ إقتراب  مجموعة من الشباب من أبناء حيه...بادروه بالقاء التحية وطفقوا يشتكون له من غياب الانارة في حيهم و طالبوه بايصال صوتهم للمسؤولين علهم يجدون حلا لهذه المعظلة ...وبسرعة أدخل يده لجيبه و أخرج هاتفه الجوال وبدأ في تصويرهم و تسجيل أصواتهم ووعدهم بالعمل على هذا الموضوع مع أولى أيام بث الاذاعة على أمواج الأثير ولم ينسى في نهاية حواره معهم أن يذكرهم بأن المحطة الاذاعية عليسة اف ام  ستكون سندهم لايصال مشاغلهم في كل وقت وحين ....

كان صوت أبناء حيه و بلدته الذي لا يصمت ...لازلت أذكر حضوري يوم إفتتاح الاذاعة ولازلت أذكر أول حصة مع زميلي ...وأول برنامج إذاعي  أُعده و أقدمه ....

"نزار الهدوي , تحدى الاعاقة البصرية و حقق جزءا من أحلامه بالعمل في اذاعة عليسة المسموعة في جهته ويُؤكد وإبتسامته العريضة لاتفارقه أنه مُمْتن لكل من سمح له بدخوله لهذا العالم المميز ,وممتن لكل من ساعده وآمن بقدراته و دفع به للامام في سبيل تحقيق حلم فريد ,فمن رحم المعاناة يولد الإبداع...و أنه لا إعاقة مع الارادة , وأنها لاتعمى الأبصار ,ولكن تعمى القلوب التي في الصدور »

بقلم غسان الخالدي 

footer
Top